محمود أبو رية

216

شيخ المضيرة أبو هريرة

على ثوب غيرها ! ) فبسطتها بيني وبينه - حتى كأنه أنظر إلى القمل يدب عليها ! فحدثني حتى استوعب حديثه قال : اجمعها فصرها إليك فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني . وقول أبي هريرة : فبسطت نمرة ليس على ثوب غيرها ( 1 ) يقتضى على الظاهر أن تبدو سوأته - وقد تأول القسطلاني وزكريا الأنصاري كلامه فحملاه على أنه بسط بعض النمرة لئلا تنكشف عورته . ثم ختم كلامه بقوله : وهذه الحكاية ( حكاية بسط الثوب ) في ذاتها تشبه قصص المخرفين ، ولا تكاد تمتاز عن خلط الدجالين - وحاشا لله أن تمتزج بمعجزات الرسول ، أو يصدق بنسبتها إليه أصحاب العقول ، فإن معجزاته ( ص ) بهرت أولى النهى بأنوار حقيقتها ، وقهرت جبابرة الأرض بحسن أسلوبها ، واعتدال طريقتها . على أن من ألم بهذا الحديث - من جميع الطرق وجده مختلف الألفاظ والمعاني باختلاف طرقه ، لا تتجارى معانيه ولا ألفاظه إلى غاية ، ولا تتساير في حلبة ، يصدم كل منها الآخر فإذا هو زاهق والحمد لله ( 2 ) . ضعف ذاكرة أبي هريرة : وقبل أن ننتقل إلى الفصل الثاني من قصه أبي هريرة نلحق هذه الصفحات بالفصل الماضي لاتصالها به . كان أبو هريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان ، لا تكاد ذاكرته تمسك شيئا مما يسمعه ، ثم يزعم أن النبي - كما علمت من بعض ما روى آنفا - قد عرف له في نمرته غرفتين فأصبح لا ينسى شيئا يصل إلى أذنه ، وذلك لكي يسوغ كثرة أحاديثه ويثبت في الأذهان صحة كل ما يرويه . على أن هذه الذاكرة القوية التي اختص بها أبو هريرة من دون الصحابة جميعا ، بل من دون ما ذرأ الله من الطباع الانسانية ، قد خانته في مواضع

--> ( 1 ) راجع الحديث في البخاري في باب المزارعة وفيه " كنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله على ملء بطني - قال النبي يوما : لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضى مقالتي هذه ثم يجمعه في صدره فينسى من مقالي شيئا أبدا ، فبسطت نمرة ليس على غيرها - الحديث ص 22 ج 5 فتح الباري . ( 2 ) ص 280 - 294 من كتاب أبي هريرة للعلامة شرف الدين .